الشوكاني
486
فتح القدير
وقارعة من الأيام لولا * سبيلهم لراحت عنك حينا وقال آخر : متى نقرع بمروءتكم نسؤكم * ولم يوقد لنا في القدر نار والقارعة مبتدأ وخبرها قوله ( ما القارعة ) وبالرفع قرأ الجمهور ، وقرأ عيسى بنصبها على تقدير : احذروا القارعة ، والاستفهام للتعظيم والتفخيم لشأنها ، كما تقدم بيانه في قوله - الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة - وقيل معنى الكلام على التحذير . قال الزجاج : والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب ، وأنشد قول الشاعر : لجديرون بالوفاء إذا قال * أخو النجدة السلاح السلاح والحمل على معنى التفخيم والتعظيم أولى ، ويؤيده وضع الظاهر موضع الضمير ، فإنه أدل على هذا المعنى ، ويؤيده أيضا قوله ( وما أدراك ما القارعة ) فإنه تأكيد لشدة هولها ومزيد فظاعتها حتى كأنها خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية أحد منهم ، وما الاستفهامية مبتدأ ، وأدرك خبرها وما القارعة مبتدأ وخبر ، والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني ، والمعنى : وأي شئ أعلمك ما شأن القارعة ؟ ثم بين سبحانه متى تكون القارعة فقال ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) وانتصاب الظرف بفعل محذوف تدل عليه القارعة : أي تقرعهم يوم يكون الناس الخ ، ويجوز أن يكون منصوبا بتقدير أذكر . وقال ابن عطية ومكي وأبو البقاء : هو منصوب بنفس القارعة ، وقيل هو خبر مبتدإ محذوف وإنما نصب لإضافته إلى الفعل ، فالفتحة فتحة بناء لا فتحة إعراب : أي هي يوم يكون الخ ، وقيل التقدير : ستأتيكم القارعة يوم يكون ، وقرأ زيد بن علي برفع يوم على الخبرية للمبتدأ المقدر . والفراش : الطير الذي تراه يتساقط في النار والسراج والواحدة فراشة ، كذا قال أبو عبيدة وغيره . قال الفراء : الفراش هو الطائر من بعوض وغيره ، ومنه الجراد . قال وبه يضرب المثل في الطيش والهوج ، يقال : أطيش من فراشة ، وأنشد : فراشة الحلم فرعون العذاب وإن * يطلب نداه فكلب دونه كلب وقول آخر : وقد كان أقوام رددت حلومهم * عليهم وكانوا كالفراش من الجهل والمراد بالمبثوث المتفرق المنتشر ، يقال بثه : إذا فرقه ، ومثل هذا قوله سبحانه في آية أخرى - كأنهم جراد منتشر - وقال المبثوث ولم يقل المبثوثة ، لأن الكل جائز كما في قوله - أعجاز نخل منقعر - و - أعجاز نخل خاوية - وقد تقدم بيان وجه ذلك ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) أي كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي نفش بالندف ، والعهن عند أهل اللغة : الصوف المصبوغ بالألوان المختلفة ، وقد تقدم بيان هذا في سورة سأل سائل وقد ورد في الكتاب العزيز أوصاف للجبال يوم القيامة ، وقد قدمنا بيان الجمع بينها . ثم كرر سبحانه أحوال الناس وتفرقهم فريقين على جهة الإجمال فقال ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ) قد تقدم القول في الميزان في سورة الأعراف وسورة الكهف وسورة الأنبياء . وقد اختلف فيها هنا ، فقيل هي جمع موزون ، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله ، وبه قال الفراء وغيره ، وقيل هي جمع ميزان ، وهو الآلة التي توضع فيها صحائف الأعمال ، وعبر عنه بلفظ الجمع ، كما يقال لكل حادثة ميزان ، وقيل المراد بالموازين الحجج والدلائل ، كما في قول الشاعر : لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكم مخاصم ميزانه ومعنى عيشة راضية مرضية يرضاها صاحبها . قال الزجاج : أي ذات رضى يرضاها صاحبها ، وقيل عيشة